فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأورد على القسم الأول أنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلًا لأنه ليس فعلًا شاقًا عليه ولا ينقص بذلك شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة الناس. فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولًا فليكن هاهنا أيضًا مقبولًا وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم. وأورد على الشق الثاني أن قولنا: تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن ذات التكليف تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه إذًا أنه تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنسانًا آخر يختار من قبل نفسه فعلًا قبيحًا، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تعالى تكليفه وجب أن يقبح تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم. هذا تمام مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر.
ثم قال: {وهذا صراط ربك} في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية المتقدمة. أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه وقدره. وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان. ومعنى {مستقيمًا} عادلًا مطردًا. وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. أو هو محذوف أي أحقه. وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك. وقال ابن مسعود: يعني القرآن: {قد فصلنا الآيات} ذكرناها فصلًا فصلًا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر. قال في التفسير الكبير: قد بيّن الله تعالى صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة. وختم الآية بقوله: {لقوم يذكرون} لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى تزول الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذٍ يلزم نفس الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر. ثم لما بيّن عظمة نعمته في الصراط المستقيم بيّن ما أعد وهيئ للمتذكرين فقال: {لهم دار السلام} أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر.
وقيل: السلام جمع السلامة لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة. ومعنى {عند ربهم} أنها معدة عنده وفي ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها وكونهم على ثقة من حصولها {وهو وليهم} أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر والمقدر ليس إلا هو جل جلاله، وأن النافع والضار ليس إلا هو سبحانه، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال سبحانه: {وهو وليهم} على أنه متكفل لجميع مصالحهم دينًا ودنيا. ثم قال: {بما كانوا يعملون} أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقًا شديدًا وكما أن الهيآت النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس فلابد للسالك من العمل بعد كمال العلم والمعرفة. ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق بضده فقال: {ويوم نحشرهم} والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير إما أن يعود إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: {شياطين الإنس والجن} أو يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله تعالى يبعثهم من الثقلين وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله تعالى كما أنه الحاشر لجميعهم. وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف. وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: {يا معشر الجن}
لأنه يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار لقوله: {ولا يكلمهم الله} [البقرة: 174] {قد استكثرتم من الإنس} لابد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال: استكثر الأمير من الجنود. أما قوله: {وقال أولياؤهم من الإنس} فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفًا فكما قال للجن تبكيتًا ناسب أن يقول للإنس أيضًا مثل ذلك توبيخًا لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس القبول.
ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض} وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض منفردًا وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. فيبيت آمنًا في نفسه. فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيمًا منهم للجن؛ وذلك الجني يقول: قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه. وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله سبحانه: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} [الجن: 6] وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني أن البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي ذلك الاستمتاع كان حاصلًا إلى وقت محدود ثم جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع. وما ذلك الإجل؟ قيل: هو وقت الموت وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول. وقيل: هو وقت التخلية والتمكين وقيل: وقت المحاسبة في القيامة {قال} الله تعالى في جوابهم {النار مثواكم} مقامكم ومقرّكم من ثوى بالمكان يثوي ثويًا إذا أقام به. قال أبو علي الفارسي: المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله تعالى: {خالدين فيها} حال واسم الموضع لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين. {إلا ما شاء الله} قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم. وقال ابن عباس: استثنى الله قومًا سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله. وعلى هذا يلزم أن يكون ما بمعنى من وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير. روي أنهم يدخلون واديًا فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد إلى حر الجحيم. وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك إلا إذا شئت، فيكون قوله: إلا إذا شئت من أشد الوعيد مع تهكم لأن إطماع محض ويأس كلي.
وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية {إن ربك حكيم} فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة. {عليم} بما يستأهله كل طائفة فكأنه تعالى يقول: إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك. ثم لما حكى عن الجن أن بعضهم يتولى بعضًا بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا} وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعًا للتسلسل، وأيضًا لما بين أنه سبحانه ولي أهل الجنة بقوله: {هو وليهم} ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه بقوله: {بما كانوا يكسبون} أي بسبب كون ذلك البعض مكتسبًا للظلم وهذه في مناسبة في غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. وفي الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السموية: «أنا الله مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك لكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم».
ثم بيّن أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم لا يعذبون إلا بالحجة فقال: {يا معشر الجن والإنس} قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد {ألم يأتكم رسل منكم} استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] على أن من الجن رسلًا كالإنس، ولأن استئناس الجنس بالجنس أكمل ولهذا قال سبحانه: {ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا} [الأنعام: 9] والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول ألبتة إنما كانت الرسل من بني آدم وزعموا أن ذلك مجمع عليه. ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟ واستدل بعضهم على المطلوب بقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} [آل عمران: 33] والمراد بالاصطفاء هاهنا النبوّة بالإجماع. وأجيب عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس تكون بعضًا من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافيًا في حمل اللفظ على ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن. وأيضًا لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك قال: {وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن} [الأحقاف: 29] الآية. وقد يسمى رسول الرسول رسولًا كما أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: {إذ أرسلنا إليهم اثنين} [يس: 14] ثم إنه سبحانه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود. وقال الواحدي: أراد رسل من أحدكم وهو الإنس كقوله: {يخرج منهما اللؤلؤ} [الرحمن: 22] أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب. وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس. أما قوله: {يقصون عليكم آياتي} فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بدًا من الاعتراف فلذلك {قالوا شهدنا على أنفسنا} والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون؛ فتارة يقرّون وأخرى يجحدون. ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم. ثم أخبر الله تعالى عن حالهم في الدنيا بقوله: {وغرتهم الحياة الدنيا} وعن حالهم في الآخرة بقوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر والمعصية. وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)}
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} قال: ليس في الجن رسل إنما الرسل في الإِنس والنذارة في الجن، وقرأ {فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29].
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {رسل منكم} قال: رسل الرسل {ولوا إلى قومهم منذرين} [الأحقاف: 29].
وأخرج ابن جرير عن الضحاك. أنه سئل عن الجن هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ألم تسمع إلى قول الله: {يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم} يعني بذلك أن رسلًا من الإِنس ورسلًا من الجن {قالوا بلى}. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قال أهل اللُّغة: المَعْشَر كُل جماعةِ أمْرُهُم واحد، ويَحصُل بنيهم مُعَاشَرة ومُخالطة، والجَمْع: مَعَاشر.
قوله: {مِنْكُم} في محلِّ رفعٍ صلة لرسُل، فيتعلَّق بمحْذُوفٍ، وقوله: {يَقُصُّونَ} يحتمل أن يكون صِفَة ثَانِيةَ، وجاءت كذا مَجِيئًا حَسَنًا، حيث تَقدَّم ما هو قَرِيبٌ من المُفْرَد على الجُمْلَة، ويحْتَمل أن يكُون في مَحَلِّ نصب على الحالِ، وفي صَاحِبها وجهان:
أحدهما: هو رُسُل وجَازَ ذَلِك وإن كان نَكِرَة؛ لتخَصُّصِه بالوَصْفِ.
والثاني: أنه الضَّمير المسْتَتِر في {مِنْكُم}
وقوله: {رُسُلٌ مِنْكم} زعم الفرَّاء: أن في هذه الآيَةِ حَذْف مُضَافٍ، أي: ألم يَأتِكُم رُسُلٌ من أحَدِكم، يعني: من جِنْس الإنْس قال: كقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، وإنما يَخْرُجَان من المِلْح {وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] وإنما هو في بَعْضِها، فالتَّقدير: يَخْرُجُ من أحدهما، وجعل القمر في إحْدَاهُنَّ فحذف للعِلْم به، وإنما احْتَاج الفرَّاء إلى ذلك؛ لأن الرُّسُل عنده مُخْتَصَّة بالإنْسِ، يعني: أنه لم يعْتَقِد أنَّ اللَّه أرْسَل للجِنِّ رَسَولًا مِنْهُم، بل إنما أرْسَل إليهم الإنْس، كما يُرْوَى في التَّفْسير، وعليه قَامَ الإجْمَاع أن النَّبِي محمدًا صلى الله عليه وسلم مرسلٌ للإنْسِ والجِنِّ، وهذا هو الحَقُّ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)}
عرَّفهم أنه أزاح لهم العِلَلَ من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة في الأزل، (فَلبَّسَ) عليهم المحجة. اهـ.